Loading alternative title

زحلة وعنجر في لبنان متعة السياحة والثقافة والإستجمام



مهما غصنا في سبر طبيعة هذا البلد الصغير بمساحته، والغنيّ بمشاهده الطبيعية الجمالية والأثرية، التراثية والتاريخية القيِّمة، نبقى عاجزين عن وصفه بالكامل، فلبنان قطعة من السماء وجنَّة على الأرض تستحق أن ويتغنى به الشعراء و يزوره السياح ويؤرخ عنه الباحثون في أسبار الطبيعة ومفاتنها..


سلمى جابر نحلة


زحلة جـارة الـوادي تغنى بها الشعراء والمفكرين


 زحلـة عاصمة محافظة البقاع ومركز قضاء زحلة، "مدينة الوسط" في السهل الخصيب و"مفتاح الجبل" وخط الوصل البري في لبنان بين بيروت ودمشق وباقي دول العالم، تتكوّن من هضبة كلسيّة بيضاء، ناتجة عن شدّة انحدارها، مناخها جاف وهواؤها ناشف عليل، وتتمتّع بتعاقب الفصول الأربعة، بشتاءٍ باردٍ وصيف حار، تعلـو عن سطـح البحـر 950 م. مساحتهـا حوالـي 150 هكتـاراً، و تبعد 52 كلم  عن العاصمة  بيروت، يحتضـنها جبـل صنيـن من الشمـال، والكنيسـة من الغـرب وتلفهـا مرتفعـات الفـرزل وباحيـن من الشـرق، ترقـد على قدميهـا جنوبـاً منبسطـات سهـل البقـاع وهـي في وادي ضيـق تكلـل مشارفـه مرتفعـات متوازيـة العلـو نسبيـاً، وفي وسـطها يجري نهـر البردونـي حيث تنتشرالمنتزهـات والفنـادق والحدائـ حوله.


أما السياحة والاصطياف بـدأت في زحلـة عـام 1882، عندما  قصدهـا الكثيـر من المصرييـن بعـد الثـورة العربيـة فازدهـرت المقاهـي والمنتـزهـات والمطاعـم وشيّـدت الفنـادق الكبـرى ، و لقّبـت"عـروس لبنـان"، و"جـارة الـوادي"، و"عـروس البقـاع" لأنها أصبحت مركـزاً اصطيـافياً هـاماً واشتهـرت بلياليهـا المقمـرة ونسيمهـا العليـل وخريـر بردونيهـا وظـلال صفصافهـا. وبخبـرة الزحليـون العريقـة في حسـن الضيافـة اللبنانيـة و"المـازة" الزحلاويـة الفريـدة التـي اقتبستهـا عنهـا مطاعـم لبنـان والعالـم، فتحولـت زحلـة نقطـة جـذب للمصطـافين، إلى فنادقها ومطاعـمها المتعـددة والمتنوعـة التي تنتشـر في أرجـاء المدينـة،  تقـدم للزائريـن مختلـف أنـواع الأطعمـة ، ومقاهـي البردونـي تستقبـل آلاف الـزوار والمدعـويـن وتحسـن وفادتهـم وخدمتهـم  وتقديـم أشهـى المأكـولات بنكهـة التـراث مقرونـة بالقهـوة العربيـة والنارجيلـة يقدمهـا النـادل بثيـاب فولكلوريـة، وفي مدخـل كـل مقهـى "الخبـازة" بقـرب الصـاج والكـارة وأصـوات مدقـات أجـران الكبـة بيـد السواعـد المفتولـة تساعـد بالترحيب والأهـلاً وسهـلاً. 


وفي زحلـة فنـادق فخمة ومنتجعـات سياحيـة تتميـز بدرجـة عاليـة من التطـوّر،  جهـزت بأحـدث المستلزمـات العصريـة وأحـواض السباحـة لممارسـة الهـوايـات الرياضيـة ولديهـا نـاد للفروسيـة وآخـر للرمايـة، ومسابـح صيفيـة وشتويـة لمختلـف الأعمـار وملاعـب تنـس وأنديـة رياضيـة ومطاعـم وشاليهـات وكابينـات، وكما ان حدائقهـا العامـة تزهـو بالأشجـار والأزهـار والتماثيـل وبالمقاعـد الخشبيـة حيـث تحلـو الجلسـة لمحبـي الهـدوء والسكينـة


عرفت زحلة بأنها منجبة الأدباء والشعراء والأدباء والفنانين والمفكّرين والصحافيين الذين تغنّوا بها شعراً ونثراً وادباً، وكان لعدد كبير منهم  الفضل في انطلاق عصر النهضة الذهبي من زحلة في الربع الأوّل من القرن، أبرزهم :"الشاعر الكبير سعيد عقل، صاحب المدرسة الرمزية في الشعر، والاخوان فوزي وشفيق المعلوف من شعراء المهجر المعروفين بقصائد حنين العودة إلى الوطن، وخصّص لها الشاعر أحمد شوقي قصيدة مدح مطلقاً عليها اسم "جارة الوادي"، لحّنها وغنّاها الفنان الراحل محمد عبد الوهاب ثم غنتها الفنانة الكبيرة "فيروز" وتخليداً لأمير الشعراء أحمد شوقي شّيد له تمثالاً في كازينو عرابي في وادي زحلة.مما كاد يجعلها تتفوّق على بغداد والشام والأندلس ووادي النيل، ولقبوها "دار السلام، مدينة السيف، جنّة الدنيا، ربّة البهاء، أزليّة الإلهام، بلدة الحُسن، وردة الشعر، مرقص النور، في راحها المجد، الخيال، بديعة وغريبة، مدينة الرجولة، مدينة الوفاء، مدينة الصلاة والرحمات، توأم الشعر" .


وكان مورد رزق الزحلي منذ القدم التجارة، وتعتبـر مدينـة زحلـة أكبـر تجمـع  لمراكـز الطوائـف الرئيسيـة  المسيحية والإسلامية المتحابين والمتآخيين حتى اليوم .


عنجر مدينة أموية أثرية 


تبعد مدينة عنجر الأثرية 85 كلم من شرق بيروت، وكان موقعها يشكل محطة رئيسية تلتقي عندها الطرق التي كانت تصل مناطق سوريا الشمالية بشمال فلسطين وصولاً الى الساحل بغوطة دمشق، مما أسهم في ازدهارها في العصور القديمة والوسيطة.


اشتقت اسمها الحالي من عين ما زالت تتفجرعند سفوح جبال لبنان الشرقية فأطلق عليها اسم "عين جرا "نسبة إلى "جرا" وهو حصن قديم ذكر أيام حكم خلفاء الإسكندر المقدوني أي في غضون ما يسمى بالعصر"المتأغرق" ،أوالهلنسي".


بنيت عنجر بهندسة مستطيلة الشكل وأقيم حولها سوراً يبلغ طوله 370 م وعرضه 310 م وقد دعمت الأسوار من الجهة الخارجية ب36 برجاً نصف دائري كما دعمت زواياها ب4 أبراج دائرية. وتبلغ سماكة هذه الأسوار نحو 2م  وارتفاعها أكثر من 7 م، شيدّت بالحجر الكلسي بجعل واجهتا البناء الخارجية المطلة على السهل والداخلية المطلة على المدينة من الحجر المقصوب، وركم الفراغ بينهما بمزيج من الحجر الغشيم والحصى وطين الكلس، وتنتشر هنا وهنالك على واجهة السور الخارجية خربشات يصل عددها إلى 60 خربشة نقشها بعض الزائرين أو سكان المدينة في العصر الأموي، ومن بينها واحدة تعود إلى عام 123 للهجرة، أي 741م. وبنيت الأبنية داخل المدينة بتقنية بنائية سريعة التنفيذ ومتواضعة الكلفة تعاقب مداميك الحجر و طوب الفخار كوسيلة للتخفيف من ثقل البنيان واعطاء البناء المرونة لتمكنه من مواجهة الزلازل كأسلوب العصر البيزنطي .


أقيم السور بشكل تواجه فيه واجهاته الأربع الجهات الأربع الرئيسية وفتح في وسط كل منها باب يحيط به برجان نصفيان وشقت طريقين رئيسيين يصل إحدهما الباب الشمالي بالباب الجنوبي، ويصل الآخر الباب الشرقي بالباب الغربي ويلتقيان بوسط المدينة ويقطعانها إلى أربعة أحياء، بموجب النمط العمراني الذي كان يعتمد عند إنشاء الثكنات العسكرية الرومانية والذي شاع استعماله عند بناء المدن الحديثة منذ العصر الروماني وحتى البيزنطي وشكل التقاء هذين الطريقين ما يعرف بتاريخ العمارة بـ "البوابة الرباعية" التي إنشأت من عناصر بنائية قديمة تم استخراجها من إحدى المنشآت الرومانية. كما تخترق وسط شوارع المدينة شبكة من المجارير المعدة لتصريف المياه المبتذلة وقد جهزت بالفتحات اللازمة لمراقبتها وتنظيفها. وبهدف التركيز على دور عنجر كمركز للتبادل التجاري وكما أقيم في المدينة نحو 600 حانوت، يتم الدخول إليها والخروج منها من الأروقة المسقوفة الواقعة على جانبي الطريقين. أما نبع عنجر الذي أعطى اسمه للمدينة يقع على بعد3كلم ، والمعبدان الرومانيان يقعان على تلة مجدل عنجر وفي بلدة كفر زبد يبعدان واحد كلم غربي عنجر.


يفتح  الموقع أبوابه للزائرين يوميا على مدار السنة وعلى مقربة منه يجد الزائرعربات الخيل والجمال و  المقاهي والمطاعم التي تقدم له أشهى الأطباق اللبنانية وسمك الترويت الطازج.


 


والجدير بالذكر أن وزارة السياحة في ظل نشاطاتها المستمرة لتنشيط السياحة المحلية وتشجيعها داخلياً ومن الناحية الدينية أيضاً، أقامت الجولة الثالثة من رحلاتها للاعلاميين إلى منطقة زحلة البقاع ، بتشجيع من وزير السياحة أفيديس كيدانيان والمديرة العامة للشؤون السياحية الدكتورة ندى سردوك وفريق عملها، و رئيسة دائرة الإستقبال والإستعلامات بالوزارة رشا أبو عليوي التي تقوم بجهود كبيرة بهدف تعريف المجتمع اللبناني على جمال لبنان، وبرفقة الدليلة السياحية جورجيت روحانا التي قدمت شرحا مفصلا طوال الرحلة.


انطلقت القافلة السياحية من الوسط التجاري في بيروت متجهة نحو تعنايل حيث تخللها فطور لبناني تراثي من الالبان والأجبان والفول المدمَّس مع الخبز الساخن المرقوق على الصاج، ومنها توجهنا إلى مصنع كسارة وتجولنا في داخله، بحضور مدير مكتب وزير السياحة الاستاذ سركيس مارديروسيان، وتخلل الزيارة كلمة لرانيا شماس عن أهمية هذا المعلم التراثي ومراحل تصنيع منتجاته. ومنه انتقلنا إلى المحطة التالية في مزار سيدة زحلة التي أصبحت مقصدا لكل الطوائف، ثم دير سيدة النجاة في المنطقة.


وشارك الجميع في غداء بمطعم نبع عنجر بدعوة من وزير السياحة في حكومة تصريف الأعمال كيدانيان ممثلا بمارديروسيان وحضور رئيس بلدية عنجر وارتكس خوشيان الذي استقبل الوفد في مبنى البلدية شارحا عن مراحل إنماء البلدة، داعيا إلى إيلاء السياحة الأهمية اللازمة وخصوصا أن البلدة مقصداً مهماً يجذب السياح من كل انحاء العالم. ومن ثمّ توجه الجميع نحوعنجر المدينة الأموية بمعالمها القديمة وموقع عنجر الأثري. وفي ختام الجولة انتقل الجميع إلى جامع عمر بن الخطاب في مجدل عنجر الذي كان تحفة في العمران الأثري الإسلامي.


المصدر : مجلة الهديل المطبوعة اللبنانية العربية

image title here

Some title