Loading alternative title

"الصّرخة المكبوتة "

الصّرخة المكبوتة
02-04-2021 10:47




بقلم الأديب والشاعر الاستاذ رفيق ابو غوش

   إذا كانت الفلسفة أمّ العلوم جميعها، فالفنّ واحدٌ من هذه العلوم الذي لا ينكر أبوّة الفلسفة بوصفها وعاء الفكر الذي ينتظر مَن يجسّدهُ في كلام أو رسمٍ أو تشكيل ذهني. وفي هذا كلّه يبدو الفّن قالبًا تتقنّع فيه الفكرة، ثمّ تتشكّل وتخرج على شكل قصيدة أو نصّ أو لوحة فتُمنَح أجنحة تطير بها. والجميل هو الجميل لذاته، وهو ما يبدو منسجمًا مع الرّوح، ولكنّه أيضًا وفق أفلاطون يعكسُ جهلاً مخيفًا بالحقيقة، لأن الفّن مُضلّل ومنبثق من الحواسّ التي لا تدرك جوهر الأشياء، وكل ما هو غير جوهري فهو مُضلّل وفاقد الدّلالة.
   أمّا ما علاقة هذه المقدّمة بلوحة الفنّان شوقي دلال؟ وهل على الفنّان أن يكون فيلسوفًا حتى يجسّد الحقائق ويتمثّلها؟! فهو أن صور البؤس والوجوه الغائرة والاضطراب حالات إنسانية بمنظور فلسفي يطرح إشكالية العدالة والصّراع الطّبقيّ والموت والقلق الاجتماعيّ. وهذه أسئلة تقرّب الفن من الفلسفة ليصبح فيلسوف المستقبل هو الفيلسوف الفنّان على حدّ تعبير" دولوز". أمّا الوجه في هذه اللوحة والذي يشغلها كلّها، فهو الواجهة والخلفيّة وكل تمظهرات الفكرة التي أراد الفنّان أن يوصلها. وأظن أنّه أراد التخفيف من حدّة الصّرخة حين وضع هذه الآفكار المُستهدفة في ملامح وجه أنثوي، وليته لم يفعل كي يبقى وجه الأنثى واحة حبّ وحياة يلجأ إليها المرء في غمرة الأزمات والنّكبات والحروب التي تجتاح الكرة ، وتغيّر نمط عيش البشر، وتشرنق حياتهم، إذ" ليس للحرب وجهٌ أنثوي" وهو عنوان رواية للكاتبة الرّوسية "سفيتلاتا الكسيفيتش" لأن الوجه الأنثوي مبعث للوحي والسّلام، ولأن لحرب النّساء روائحها وألوانها ومشاعرها، بينما يُظهرُ الوجه الذكوري بملامحه القاسية وتضاريسه تعالقًا لكل أنواع الهموم والحدود التي هي أكبر من مداركنا، وأكبر من أن يختصرها وجه أنثوي. 
   بالعودة إلى اللوحة( الوجه) الذي يشكّل مجالاً واسعًا للتأويل، ويطرح أسئلة وفرضيّات تتمحور حولها آلية التّشكيل عند "إنانا" التي راحت تطوّر في أساليبها ومقارباتها حدًا يُعرفُ بالفن التّعبيري، وتعيد أيقونة الوجه إلى واجهة الفنّ التّشكيلي بعد تراجع حضؤره أبّان حقبة الرّومنسيّة لصالح الطّبيعة والتي أمسى الإنسان معها ضئيلاً وهامشيًا، مُسقطًا عليها هواجسه ومعاناته. وقد يكون الفنّان استوحى لوحته من لوحة " الصّرخة"screan  أو skiri  للفنّان النرويجي إدفارد مونك التي قام برسمها عام 1893، والتي تمثّل حال الخوف والقلق وكل تقاطعات البؤس والانكسار الرّوحي والتراجيديا والصّرخة المكبوتة التي تعتري الانسان في رحلته بين صرخة الولادة، وصمت الموت. فتتحول هذه الحالة الذّهنية إلى ملامح تتوزّع في تفاصيل الوجه وخطوطه وتكثّف الاحساس العميق بالخسارة. ولشدّة تأثير هذه اللوحة، فقد عُدّت ثاني أشهر لوحة بعد الموناليزا، وقد حُوّلَت إلى وجه إيموجي في دردشات الهواتف الذّكيّة. 


   وفي مواجهة العينين نصف المغلقتين لا أعرف ما قصده الفنّان. أهو نصف المعاناة؟ أم نصف الكبت، وعدم القدرة على تشفير الرّسالة دفعة واحدة. فهناك إمّا أن تكون العينان مفتوحتين، وإمّا ان تكونا مغلقتين. أمّا أن نشاهد نصف إغلاق فهذا غير ممكن ميكانيكيّا، إنما ممكن مجازيًا. ولعلّه أراد أن يُظهر العنف والتّرهيب المجتمعي الذي تعانيه المرأة بخفر وبنصف الحقيقة. أما التّجاعيد والخطوط اللابثة حول العينين فهي تقاطعات مضمرة لثِقل الأيّام وعبثيّة الوجود تطوّق العينين وكأنها أشباح الرّعب. فهناك سرديّة ما تفرضها اللوحة هي سرديّة التراجيديا الأبديّة الملازمة للإنسان في عجزه أمام الغموض والكآبة المرافقة للصراخ الأبديّ، والاستغاثة الدائمة من أرواحٍ منهكة لا يسمع أنينها أحد. إلا أن ما يخفّف من عمق الوجع تلك الهالات الخضراء حول دائرة الظلام الحالك والثّقب الأبيض أعلى القرنيّة الدّال على بقعة أمل وحيدة. أما لماذا تأخذ هندسة الوجه بعدًا طوليّا فلأن طول الوجه يؤشّر إلى شيمة الصبر والأناة والتّحمّل. وطول الأنف دليل على طول المعاناة وهو العضو الوحيد مع الأذن الذي يظلّ ينمو طوال حياة الإنسان. وقد بدا ذلك واضحًا في الوجه، بينما العين هي العضو الوحيد الذي يستوفي حجمه منذ الولادة ولا ينمو. لذلك أجزم أن الفنّان قصد أن يطلّ على العالم من خلال العينين النافذة الواسعة منذ البدء، ما يعني أن المعاناة تُولدُ كبيرة وتبقى تنمو كهذين العضوين. أما لماذا الذّقن ناتئة وبارزة فهذا ارتطامٌ مباشر بالحياة، ومحاولة لحجز في الزمان، وفتح إمكانات جديدة للوجود. هذا ونحن لا نغفل قطعَ اللوحة فوق العينين مباشرة، وطمس الجبهة وأعلى الرأس والدّماغ. فهل لأن العين الواسعة أخذت مكان الدّماغ في رؤية العالم، وانتفى المنطق من الوجود لصالح الغرائز، والفكرة لصالح الصّورة. فبدا الإنسان يرى بالصورة ما عجز العقل عن رؤيته بعين المنطق والبصيرة. فعالم اليوم أغفل التفكير العقلاني لصالح الرؤى البصرية المسطّحة والتي راحت دوائرها تتّسع وتستحوذ على مساحة كبيرة من اللوحة. أم البياض وما يلفّه من غيوم، ورماديّة موشّحة بحمرة الأصيل فدلالة على غياب البراءة والعفؤيّة واستسلام العالم إلى جليديّة المآسي.
   لوحة الصّرخة المكبوتة تطوّرٌ في مسيرة الفنّان شوقي دلال، فعسى أن تكون هذه اللوحة قد أوصلت الرّسالة التي تتوخّاها.
                                                    رفيق أبوغوش      

الطقس

شبكات التواصل معنا

انضم لنا على الفيسبوك

@Alhadeelmagazine

تابعنا على تويتر

@alhadeelmag

تابعنا على الانستغرام

@alhadeelmag

شاهدنا على اليوتيوب

@alhadeelmag
image title here

Some title