من 5 نقاط… عون يطلق مبادرة تتضمن الاستعداد للتفاوض وتسلم النقاط الـ 5
وجّه رئيس الجمهورية جوزاف عون كلمة في عيد الاستقلال، افتتحها بنداء إلى اللبنانيين في الوطن والاغتراب، معتبرًا أن كلّ استقلال يبدأ من لحظة مواجهة الحقيقة. وأوضح أنّ اختياره الجنوب لإلقاء كلمته جاء لأن هذه الأرض تختصر تاريخ لبنان بكل ما فيه من صمود وغياب وعودة، وهي المكان الذي تُختبر فيه قيمة الدولة ومعنى السيادة. وأكد أنّ هذه المنطقة، التي أنهكتها الاعتداءات وغياب الدولة، ستنهض مع عودتها إليها سلطةً ورايةً وقرارًا واحدًا، لأن درب الاستقلال يبدأ من حضور الدولة وسيادتها، لا من غيابها أو ازدواجيتها، ومن تحرير كل شبر من أرض لبنان.
وأشار عون إلى أنّ المصارحة باتت اليوم أكثر من ضرورية، لأنها أول ذكرى للاستقلال يخاطب فيها اللبنانيين رئيسًا للجمهورية بعد سنوات الفراغ التي تخطاها لبنان، مؤكدًا أنّ الظرف دقيق ولا يحتمل أنصاف الحقائق.
وقال إنّ استقلال لبنان حقيقة حيّة، لا صفحة من الماضي، لأن رجالًا ونساءً من هذا الوطن بذلوا دماءهم فاستشهدوا في بشامون دفاعًا عن حكومة الاستقلال، وفي ساحة النجمة دفاعًا عن علمه، و”ملائكة طرابلس الأربعة عشر” الذين سقطوا متظاهرين من أجل الاستقلال. وشدّد على أنّ الاستقلال لم يولد في يوم واحد، كما أنّ الأوطان لا تُبنى في سنة واحدة.
وأكد عون أنّ لبنان هو حصيلة نضال قرون من أجل الحرية في منطقة كثيرًا ما تعاملت مع الحق بالقوة والحرية بالقمع. ولفت إلى أنّ لحظة ولادة لبنان لم تكن محل إجماع كامل، إذ فكّر البعض في دولة أصغر بدافع الخوف على هوية معينة، فيما فكّر آخرون بدولة أكبر من لبنان انطلاقًا من انتماء مختلف أو رفضًا للهيمنة. لكن اللبنانيين، حين عاشوا معًا، اكتشفوا أنهم يشبهون بعضهم أكثر مما يشبههم أي خارج، وأن العيش المشترك أقل كلفة من أي ولاء خارجي. هكذا تبلورت أكثرية كيانية ميثاقية من المسيحيين والمسلمين وجميع اللبنانيين، رافضة لأي انتماء أصغر أو ولاء أكبر من لبنان، ورغم الانتقادات والتجني استطاعت إنجاز الاستقلال.
وتابع رئيس الجمهورية مؤكّدًا: “نعم، لقد أخطأنا في إدارة استقلالنا”، مشيرًا إلى أنّ عوامل خارجية دفعت لبنان قبل خمسين عامًا إلى حروب خرج منها باتفاق الطائف، قبل أن يقع مجددًا تحت وصاية خارجية شوهت الاتفاق لأكثر من عقد. ثم نال لبنان فرصة استقلال جديد بعد زوال الاحتلال والوصاية، لكنه عاد ليدخل في صراعات محاور إقليمية حول من يمسك بورقة لبنان في حسابات النفوذ.
وأوضح أنّ لبنان يعيش اليوم مرحلة مصيرية تشبه مرحلتي الاستقلالين الأول والثاني، وسط تغيّرات دراماتيكية في المنطقة والعالم. وقال إنّ في لبنان انطباعين خاطئين: الأول لدى من يتصرف وكأن شيئًا لم يتغير في المنطقة وفلسطين وسوريا والعالم، مصرًا على تشوّهات عمرها أربعون عامًا، وهو سلوك مجافٍ للواقع وللإرادة اللبنانية. والثاني لدى من يعتقد أنّ التطورات الأخيرة قضت على جماعة لبنانية كاملة، معتبرًا هذا الانطباع “مكابرة مقابلة” لا تقل خطرًا عن الأولى. وأكد أنّ الدولة، وهو رئيسها، تقف حيث مصلحة الوطن وكل الشعب، لا مصلحة طرف أو طائفة
وقال عون من الجنوب إن الزمن تغيّر والظروف تبدّلت، وإن اللبنانيين تعبوا من اللادولة وكفروا بمشاريع الدويلات، والعالم كاد أن يتعب من لبنان. وشدّد على أنّ المسألة لا تتعلق فقط بحصر السلاح وقرار السلم والحرب، رغم ضرورتهما، بل بحصر ولاء اللبناني بوطنه وانتمائه القانوني لدولته، وإعادة ثقافة الدولة في كل تفصيل وعلى كل شبر من الأرض. وأكد أنّ التغوّل على الحق العام والملك العام والمال العام والفضاء العام بات مرفوضًا كليًا، ولا يمكن تبريره بأي ذريعة.
وفي المقابل، رفض عون فكرة التعامل مع جماعة لبنانية وكأنها زالت أو اختفت، مؤكدًا أنّ هؤلاء لبنانيون، أبناء الأرض، باقون ومعهم يعود الجميع إلى حضن الوطن وتحت سقف الدولة الحصري وحده، بلا اجتهادات أو استثناءات.
وفي ختام كلمته، أعلن رئيس الجمهورية مضمون مبادرة رسمية جاء فيها:
1- تأكيد جهوزية الجيش اللبناني لتسلم النقاط المحتلة على الحدود الجنوبية، واستعداد الدولة لتقديم جدول زمني واضح للجنة الخماسية للتسلم.
2- استعداد القوى المسلحة اللبنانية لتسلم النقاط فور وقف الخروقات والاعتداءات وانسحاب الجيش الإسرائيلي من كل النقاط.
3- تكليف اللجنة الخماسية التأكد من سيطرة القوى المسلحة اللبنانية وحدها على منطقة جنوب الليطاني.
4- استعداد الدولة اللبنانية للتفاوض، برعاية أممية أو أميركية أو دولية مشتركة، على اتفاق يرسّخ وقفًا نهائيًا للاعتداءات عبر الحدود.
5- التزام الدول الشقيقة والصديقة برعاية هذا المسار عبر تحديد مواعيد لآلية دعم دولية للجيش اللبناني ولمساعدة إعادة الإعمار، بما يضمن تحقيق الهدف الوطني النهائي بحصر كل سلاح خارج الدولة وعلى كامل أراضيها.
وختم عون بأنّ هذه المبادرة برسم المجتمع الدولي وكل حريص وصادق في مساعدة لبنان ودعم استقراره، مؤكدًا جاهزية الدولة والتزامها الكامل بهذا المسار
كلمة الرئيس عون
وفي ما يلي نص الكلمة التي وجهها الرئيس عون الى اللبنانيين:
“أيتها اللبنانيات، أيها اللبنانيون،
أهلي في الوطن والاغتراب … رفاق السلاح والجراح،
كلّ استقلال يبدأ من لحظة مواجهة الحقيقة، ولهذا جئت اليوم إلى الجنوب، إلى هذه الأرض التي تختصر تاريخ لبنان كلّه: صموداً، وغياباً، وعودة. ومن هنا، من حيث تُختبر قيمة الدولة ومعنى السيادة، نبدأ حديث الاستقلال… من جديد.
على هذه الأرض التي أنهكتها الاعتداءات وغياب الدولة عنها، لكنها صمدت، وستنهض مع عودة الدولة إليها، سلطةً ورايةً وقراراً واحداً.
فدرب الاستقلال يبدأ من حضور الدولة، لا غيابها؛ ومن سيادتها، لا ازدواجيتها، ومن تحرير كل شبر من أرض لبنان.
إخوتي وأهلي، تعرفون أنني اعتدت على مصارحتكم، واليوم تبدو المصارحة أكثر من ضرورية، لأنها أول ذكرى للاستقلال أخاطبكم فيها رئيساً، بعد سنوات من الفراغ تجاوزناها ولن نسمح بتكرارها،
ولأن الظرف دقيق، ولا يحتمل أنصاف الحقائق.
استقلالنا حقيقة حيّة، لا صفحة من الماضي، حقيقة لأن رجالاً ونساءً من هذا الوطن بذلوا دماءهم من أجله فسقطوا شهداء على طريق طويل، وليس 22 تشرين الثاني إلا يوماً واحداً فقط في رزنامة تضحياته، ويؤسفني أننا ننساهم أحياناً.
وأنا اليوم، باسمكم جميعاً، أنحني إجلالاً لدمائهم وشهادتهم. الذين سقطوا في بشامون دفاعاً عن حكومة الاستقلال، وفي ساحة النجمة دفاعاً عن علم الاستقلال، وملائكة طرابلس الأربعة عشر، الذين استشهدوا متظاهرين من أجل الاستقلال.
إنهم شهداء استقلال 22 تشرين الثاني 1943، بما سبقه وتلاه من أحداث. نفتخر بهم ونعتز. ولهم منا كل الوفاء وأعمق التقدير. لكن يجب أيضاً أن نقول الحقيقة الثانية: الاستقلال لم يولد في يوم واحد، ولا وطن يبنى في سنة واحدة.
لبنان هو حصيلة نضال قرون من أجل الحرية. من قبل أفراد وجماعات، حضنتهم هذه الأرض، تحت عنوان واحد: سعيهم إلى الحرية، وسط منطقة كانت، وللأسف ما زالت أحياناً، تتعامل مع الحق بالقوة، ومع الحرية بالقمع.
ولنصارح بعضنا:
لحظة ولادة لبنان لم تكن لحظة إجماع تام، إذ كان البعض يفكر في دولة أصغر من لبنان. بدافع الخوف على خصوصية ذاتية. أو على هوية جماعية، من محيط مختلف. وكان هناك بعض آخر يفكر في دولة أكبر من لبنان، إيماناً بانتماء مغاير للفكرة اللبنانية، أو رفضاً لهيمنة أجنبية أو لفكرة استعمارية.
لكن تطورين اثنين أساسيين حصلا بالتزامن:
أولاً، عاش اللبنانيون مع بعضهم أكثر… فاكتشفوا أنهم يشبهون بعضهم أكثر مما يشبههم أي خارج.
ثانياً، أدركنا أن ثمن العيش معاً أقل بكثير من كلفة ولائنا لأي خارج كان أو التحاقاً بأي وهم كان، شرقياً أو غربياً. وتأكدنا أن ما يعطينا إياه لبنان، كأفراد وكطوائف، أهم وأثمن وأقدس، من كل ما يمكن أن يعطينا إياه أي مشروع آخر.
هكذا، تبلورت أكثرية جديدة، مكونة من المسيحيين والمسلمين وكل اللبنانيين، رافضة لأي انتماء أصغر من لبنان، كما لأي ولاء أكبر من لبنان. هي أكثرية كيانية ميثاقية، مؤمنة بلبنان الكيان والوطن، فبلورت ميثاقه بالعمل وبالعيش الفعليين معاً رغم تعرضها لانتقادات الطرفين لها، ورغم تخوينها من الجهتين المتناقضتين، ورغم وصفها بكل أصناف التجني والاتهامات، حتى أنجزت الاستقلال الذي نحتفل به اليوم … بعده، أخطأنا في إدارة استقلالنا.
نعم، لقد أخطأنا في إدارة استقلالنا. ولا ننسى أنّ عوامل خارجية انفجرت حولنا، فدفعتنا قبل خمسين عاماً إلى حروب مركّبة خرجنا منها باتفاق الطائف، قبل أن نقع مجدداً تحت وصاية خارجية شوهته لأكثر من عقد. ثم نلنا فرصة استقلال جديد بعد زوال الاحتلال والوصاية، لكننا دخلنا بعدهما مجدداً، في صراعات المحاور الإقليمية، حول من يرث تلك الوصاية علينا. أو من يمسك بورقة لبنان، رصيداً له في حسابات النفوذ الإقليمية.
أقول ذلك لأنّ اليوم يشبه الأمس، فنحن نمرّ بمرحلة مصيرية شبيهة بمرحلتي الاستقلالين الأول والثاني، وسط زلزال من التطورات وانقلاب موازين القوى من حولنا يشبه ما رافق نشأة لبنان دولةً مستقلة. ونحن اليوم أمام تحدي تجديد استقلالنا، فيما نعيش انطباعين متناقضين يبتعدان عن الحقيقة ومنافيين لجوهر الاستقلال.
فلنتحدث بصراحة. في لبنان اليوم، لدى بعض المرتابين من تطورات المنطقة، انطباعٌ وكأن شيئاً لم يتغير، لا عندنا ولا حولنا ولا في فلسطين ولا في سوريا ولا في العالم.
هي مكابرة أو حالة إنكار ليقنع هذا البعض نفسه، بأنه يمكنه الاستمرار بما كان قائماً من تشوهات في مفهوم الدولة وسيادتها على أرضها، منذ 40 عاماً.
وأنا أقول لكم، إن هذا السلوك مجاف للواقع. وللإرادة اللبنانية أولاً، قبل مناقضته للظروف الإقليمية والدولية.
وفي المقابل قد يكون هناك انطباع مناقض لدى بعض آخر من اللبنانيين، بأن الزلزال الذي حصل، قضى على جماعة كاملة في لبنان، وكأنّ طائفة لبنانية برمّتها قد زالت أو اختفت، أو كأنها لم تعد موجودة في حسابات الوطن والميثاق والدولة.
وأنا أقول لكم، هذه مكابرة أخرى، وحالةُ إنكار مقابلة، لا تقل عن الأولى خطأً وخطراً. فيما نحن كدولة، وأنا شخصياً كرئيس لهذه الدولة، نقف حيث تقتضي مصلحة الوطن وكل الشعب، لا مصلحة طرف أو حزب أو طائفة.
نقف هنا على أرض الجنوب، لنقول لمن يرفض الاعتراف بما حصل، بأن الزمن تغير، وأن الظروف تبدلت، وأن لبنان تعب من اللادولة، وأن اللبنانيين كفروا بمشاريع الدويلات، وأن العالم كاد يتعب منا، ولم نعد قادرين على الحياة في ظل انعدام الدولة.
والمسألة هنا لا تعني فقط حصر السلاح وقرار السلم والحرب، وهذا ضروري جداً وحتمي فعلاً، بل المطلوب أكثر، هو حصر ولاء اللبناني بوطنه، وحصر انتمائه الدستوري والقانوني إلى دولته، لنعيد بعدها ثقافة الدولة، نهج حياة وسلوك في كل تفصيل من حياتنا وعلى كل شبر من أرضنا. فلم يعد مقبولاً التغوّل على الحق العام، ولا على الملك العام، ولا على المال العام، ولا على الفضاء العام.
لم يعد أي من هذا مقبولاً، لا باسم استثناء، ولا بذريعة ماضٍ أو حاضرٍ أو مستقبل، ولا بوهج قوة أو فائضها، ولا برد فعلٍ من جماعة أخرى أو منطقة أخرى، على واقع غير سليم. كل هذا بات مرفوضاً، من كل لبناني، ولأي مقيم على أرض لبنان. وكما أقول هذا الكلام بصراحة من منطلق المسؤولية الوطنية الكبرى، أقف هنا، لأقول لا مماثلة، لحالة الإنكار الأخرى.
لا، ليس صحيحاً ولا مقبولاً أن نتصرف وكأن جماعة لبنانية زالت أو اختفت أو هُزمت. فهؤلاء لبنانيون، هم أهلنا أبناء الأرض، هم باقون معنا ونحن باقون معهم، لا نقبل لهم سوى ذلك، ولا هم يقبلون. هؤلاء ضحوا وبذلوا وأعطوا دماً وشهادات. والآن علينا جميعاً أن نعود معهم ومع كل اللبنانيين، إلى حضن الوطن، وتحت سقف الدولة الحصري الذي لا سقف سواه، بلا اجتهادات ولا استثناءات.
ايتها اللبنانيات، أيها اللبنانيون،
لأننا نقف في هذا الموقع والموقف الوطنيين بامتياز، تطالنا السهام من الطرفين، ونلاقي عدم الفهم والتفهم والتفاهم، من البعضين، بمعزل عن النسب والأسباب. لكننا لن نتزحزح ولن نتراجع، لأن كل ما يحصل عندنا ومن حولنا، يؤكد صوابية خيارنا وقرارنا. خيار بناء دولة لا دويلة. وقرار استعادة ثقافة الدولة، لا استنساخ تشوهات ومنافع.
فها هو اتفاق غزة وإقراره في مجلس الأمن، يؤكدان حقيقة قراءتنا. وها هي علاقاتنا مع سوريا الجديدة، تتطور في الاتجاه الصحيح، علاقة بين بلدين سيدين نديين. وها هي قوانا المسلحة، التي يوليني الدستور شرف قيادتها العليا، تقوم بمهامها الوطنية في كل لبنان، وخصوصاً في الجنوب، وبشهادة البيانات الرسمية للجنة الخماسية المسؤولة عن تنفيذ اتفاق تشرين الثاني 2024، رغم كل التطاول ورغم بعض الغيوم العابرة.
فإنني لا أنسى أنكم زرعتم على هذه الأرض بالذات، شهداء أبراراً، لتطبيق اتفاق وقف الاعتداءات المذكور، وهو ما التزم لبنان به حرفياً، ومن طرف واحد.
وها هو اقتصادنا يتعافى بدليل الأرقام لا الأوهام، وذلك برعاية حكيمة رشيدة من الجهات الحكومية المختصة، ومن حاكمية مصرف لبنان بالذات، وهذا ما يجعلها هي أيضاً في مرمى تجنّي من لا يريد دولة في لبنان.
وها هم اللبنانيون في لبنان كما في أنحاء العالم، يتطلعون إلينا، يحدوهم أمل كبير، وعزم أكيد. وسترونهم متحدين بعد أيام قليلة، في حدث وطني استثنائي، عند استقبالهم معاً لقداسة البابا لاوون الرابع عشر، تحت عنوان “طوبى لفاعلي السلام”.
اخترنا هذا العنوان لأننا شعب يؤمن بالسلام ويسعى إليه، ولأن منطقتنا تتجه نحو مرحلة من الاستقرار يتوجب علينا أن نستعد لها جيداً.
ونحو إعادة إحياء سلام قائم على الحقوق والعدالة، سلام فلسطين وشعب فلسطين. وهو ما نحن حاضرون للشراكة فيه بكلية وفاعلية، ان عبر توسعة نطاق اتفاقيات سابقة، او عبر أخرى جديدة، كي لا نصير على قارعة الشرق، وكي لا يتحول بلدنا عملة تفاوض، أو بدل تعويض في خارطة المنطقة الجديدة.
نعم، نحن حاضرون وجاهزون بلا أي عقد، وفق قاعدة واضحة:
فمسار الشأن اللبناني، من بيروت حتى حدودنا الدولية، نسيره وحدنا بقرارنا الذاتي المستقل، وبدافع مصلحة لبنان ومصالح شعبه العليا دون سواها، وهذا يعني انسحاباً اسرائيلياً من كل متر مربع من أرضنا، وعودة لاسرانا، وترتيبات حدودية نهائية، تؤمّن استقراراً ثابتاً ونهائياً.
أما أي خطوة أبعد من الحدود، فنسير بالتنسيق والتلازم مع الموقف العربي الجامع. ونرى في القمة الأخيرة في واشنطن بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مؤشرات مشجعة جداً لانطلاق مساره. هذا المسار الذي لن يتخلف عنه لبنان خطوة واحدة.
أكثر من ذلك، لماذا أنا في الجنوب الآن؟
لقد اخترت هذا المكان وهذه اللحظة، لأقول بموجب ضميري الوطني، ومسؤوليتي عن بلد وشعب، ولأعلن لكل العالم، ما يلي:
أولا: تأكيد جهوزية الجيش اللبناني لتسلم النقاط المحتلة على حدودنا الجنوبية، واستعداد الدولة اللبنانية لأن تتقدم من اللجنة الخماسية فوراً، بجدول زمني واضح محدد للتسلم.
ثانياً: استعداد القوى المسلحة اللبنانية لتسلم النقاط فور وقف الخروقات والاعتداءات كافة، وانسحاب الجيش الاسرائيلي من كل النقاط.
ثالثاً: تكليف اللجنة الخماسية بالتأكد في منطقة جنوب الليطاني من سيطرة القوى المسلحة اللبنانية وحدها وبسط سلطتها بقواها الذاتية.
رابعاً: إن الدولة اللبنانية جاهزة للتفاوض، برعاية أممية أو أميركية أو دولية مشتركة، على أي اتفاق يرسي صيغة لوقف نهائي للاعتداءات عبر الحدود.
خامساً: وبالتزامن، تتولى الدول الشقيقة والصديقة للبنان، رعاية هذا المسار، عبر تحديد مواعيد واضحة ومؤكدة، لآلية دولية لدعم الجيش اللبناني، كما للمساعدة في إعادة إعمار ما هدمته الحرب. بما يضمن ويسرّع تحقيق الهدف الوطني النهائي والثابت، بحصر كل سلاح خارج الدولة، وعلى كامل أراضيها.
هذه المبادرة، هي اليوم برسم كل العالم، برسم كل صديق وحريص وصادق في مساعدة لبنان، وفي استتباب الأمن والاستقرار على حدودنا وفي المنطقة. ونحن جاهزون لها. وملتزمون.
إخوتي اللبنانيات واللبنانيون ،
اليوم، نكتب فصلاً جديداً في تاريخ لبنان… فصل يبدأ من الاستقلال، فصل لا ينتهي إلا بتحقيق السيادة الكاملة، والعيش الكريم لكل اللبنانيين، وبناء دولة تحمي الحق وتكرّس العدالة.
نحن نخوض اليوم معركة الاستقلال الجديد المتجدد، وهي معركتكم جميعاً، وانا متيقين بأننا سننتصر فيها.
من أجل أطفالكم، وأحلام من رحل، وآمال من صمد، سنحمي لبنان ونصون استقلاله وسنطلق نهضته المستقبلية، وطن حوار، وحداثة، وحرية، وسماح وسلام، كي يرفرف علم لبنان عاليًا، ويظل أرزنا شامخًا رمزًا للصمود والوحدة، نتمسك بوطن يجمعنا جميعًا.
فلنقف جميعًا متحدين، مؤمنين بلبنان وبقدرته على أن يكون وطن الجميع
بلا استثناء.
عاش الحق، عاش الاستقلال، عاش لبنان.

