اللواء الدكتور الحميدان:
لماذا لم تعد الاتفاقات كافية وما الذي يجبر إسرائيل على التراجع
بقلم: اللواء الدكتور عبداللطيف بن محمد الحميدان
في اللحظة التي تفقد فيها القواعد الدولية قدرتها على الردع يتحول النظام العالمي من منظومة قانون إلى توازن قوة عار. ما يجري في الضفة الغربية وغزة ليس فقط أزمة إنسانية أو نزاعا سياسيا تقليديا بل اختبارا مباشرا لمدى قدرة المجتمع الدولي على حماية ما تبقى من شرعيته الأخلاقية والقانونية. لان العربدة الإسرائيلية المستمرة والتي تجاوزت حتى التفاهمات التي رعتها الإدارة الأميركية تكشف أن المشكلة لم تعد في غياب الاتفاقات بل في غياب آليات الإلزام والمساءلة. فالاتفاقات مهما كانت تسميتها تصبح بلا قيمة عندما لا تقترن بإرادة دولية قادرة على فرض احترامها.
والمجتمع الدولي يملك أدوات أكثر مما يدعي لكنه يتجنب استخدامها بسبب حسابات المصالح والاصطفافات السياسية. ووقف العربدة الإسرائيلية يبدأ أولا بإعادة تعريف ما يجري بوصفه انتهاكا منظما للقانون الدولي وليس خلافا ثنائيا قابلا للإدارة. وهذا التحول في التعريف ليس لغويا بل استراتيجي لأنه ينقل الملف من مساحة الوساطة إلى مساحة المساءلة. وعندها تصبح القرارات الدولية القائمة مرجعية تنفيذ لا مجرد أرشيف سياسي.
والخطوة الثانية تتمثل في كسر احتكار الحماية السياسية التي تتمتع بها إسرائيل داخل المؤسسات الدولية. لان ستمرار استخدام حق النقض لتعطيل أي مساءلة يرسل رسالة واضحة بأن القانون الدولي انتقائي. وهنا يبرز دور القوى الدولية الصاعدة والدول المتوسطة القادرة على بناء تكتلات ضاغطة داخل الجمعية العامة والمحاكم الدولية لفرض مسار قانوني تراكمي. لان المسار قد يكون بطيئا لكنه يراكم عزلة قانونية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها على المدى المتوسط.
وعامل البعد الاقتصادي يشكل أداة ردع مركزية تم تجاهلها عمدا. لان العقوبات الذكية والموجهة ليست عملا عدائيا بل وسيلة سياسية مشروعة لإجبار أي دولة على تعديل سلوكها. وربط الاتفاقات التجارية والتعاون العلمي والعسكري باحترام القانون الإنساني في الأراضي الفلسطينية كفيل بإحداث تصدعات داخل منظومة القرار الإسرائيلي. والتجربة الدولية تثبت أن الاقتصاد غالبا ما ينجح حيث تفشل البيانات الدبلوماسية.
وأما المسار الإنساني يجب أن يتحول من خطاب تعاطفي إلى إطار حماية ملزم. لتوفير الحماية الدولية للمدنيين في غزة والضفة لان ذلك ليس فكرة مثالية بل خيار قانوني قائم في تجارب أممية سابقة. والتردد في طرح هذا الخيار يعكس خوفا سياسيا لا عجزا قانونيا. لان وجود آلية مراقبة وحماية دولية يحد من هامش الإفلات من العقاب ويعيد الاعتبار للمدني بوصفه خطا أحمر لا تفصيلا جانبيا.
واما الدور العربي فهو حاسم لكنه يتطلب تحولا جذريا من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الاستراتيجي. لان التنسيق العربي لا يجب أن يبقى في حدود البيانات بل أن يتحول إلى أوراق ضغط حقيقية سياسية واقتصادية ودبلوماسية. نظرا لان العالم لا يتحرك بدافع الأخلاق وحدها بل تحت ضغط المصالح وعندما تصبح كلفة تجاهل الحقوق الفلسطينية أعلى من كلفة حمايتها وبهذا سيبدأ التغيير.
وفي هذا السياق تبرز نتائج مؤتمر حل الدولتين الذي قادته المملكة العربية السعودية بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان وبمساندة فرنسية بوصفها الإطار الأكثر جدية وقابلية للتنفيذ. لان أهمية هذا المؤتمر لا تكمن في شعاراته السياسية بل في كونه طرح مسارا ملزما قائما على آليات محددة وجدول زمني واضح وضمانات دولية للمتابعة والتنفيذ. وهذا الطرح ينقل حل الدولتين من حالة التدوير الدبلوماسي إلى مشروع دولي قابل للإلزام والمساءلة ويمنح المجتمع الدولي أداة عملية للخروج من دائرة العجز المزمن. وعندما يكون الحل محكوما بآليات تنفيذ واضحة يصبح التراجع عنه مكلفا سياسيا وقانونيا ويضيق هامش المناورة أمام أي طرف يسعى لفرض الوقائع بالقوة.
وفي الخلاصة فإن وقف العربدة الإسرائيلية ليس مسألة مستحيلة بل مؤجلة عمدا. والمجتمع الدولي قادر على الفعل عندما يقرر أن القانون الدولي ليس أداة انتقائية بل عقدا ملزما. لان ما ينقص ليس النصوص ولا القرارات بل الشجاعة السياسية لإعادة ضبط ميزان القوة لصالح العدالة. وعندما يدرك العالم أن استمرار هذا الانفلات يهدد استقرار النظام الدولي نفسه وعندما يتم التعامل مع نتائج مؤتمر حل الدولتين كمرجعية تنفيذية ملزمة عندها فقط سيتحول الفلسطيني من ضحية مهملة إلى عنوان لا يمكن القفز عنه.

