خاص الهديل….

غنوه دريان …
بيا أبو أنطون… حين يتحوّل الإحساس إلى عرض، والرسالة إلى تجربة إنسانية متكاملة
حين يتحوّل الإحساس إلى عرض، والفكرة إلى عالمٍ متكامل، يولد مشروع يتجاوز الترفيه ليلامس الوجدان. في هذا السياق، أجرى موقع ومجلة الهديل مقابلة خاصة مع بيا أبو أنطون، كاتبة ومنتجة مشروع Elf Town، وأحد الوجوه الشابة التي أعادت صياغة مفهوم العروض الميلادية في لبنان، مقدّمة تجربة فنية وإنسانية متكاملة تجمع بين المسرح، الموسيقى، والرسائل الوجدانية العميقة.
في هذا الحوار، تتحدّث بيا أبو أنطون عن البدايات التي انطلق منها مشروع Elf Town، والرؤية الإبداعية التي تقف خلفه، وكيف تحوّل من فكرة توعوية إلى عرض عالمي صُمِّم ونُفِّذ بأيادٍ لبنانية شابة، مؤكدة أن الترفيه يمكن أن يكون مساحة للشفاء، وبناء الوعي، واستعادة الطفل الداخلي لدى كل إنسان، مهما كان عمره.
الهديل:
بيا أبو أنطون، شابة لبنانية مبدعة، يمكن وصفها بالخلّاقة، تقف خلف مشروع كبير يُنفَّذ خلال فترة الأعياد ليجمع الناس على الفرح والاحتفال. نودّ أن تحدّثينا عن هذا المشروع.
بيا أبو أنطون:
شكراً جزيلاً. هذا العام نقدّم مشروع Elf Town، وهو عرض عالمي متكامل مستوحى من التجارب الدولية، لكنه صُمِّم ونُفِّذ بالكامل من خلال شركة إنتاج لبنانية هي They’re Female.
هذا المشروع أحمله معي منذ سنوات، وأنا اليوم في الخامسة والعشرين من عمري. وقبل الدخول في تفاصيل العرض، من المهم التوقّف عند قصة They’re Female نفسها، لأنها في الأساس قصتي الشخصية، وقصة حياتي، بكل ما مررتُ به من صعوبات، ولا سيّما تلك التي تواجه المرأة في الشرق الأوسط.
هناك الكثير من القضايا التي لم يكن يُتحدَّث عنها علناً، خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي قبل نحو خمس سنوات، أي قرابة عام 2020. من هنا، انطلقت They’re Female كمنصّة رقمية توعوية تُسلّط الضوء على المواضيع المسكوت عنها، وتهدف إلى بناء الوعي، لا سيّما لدى الفتيات الصغيرات في بدايات تكوين شخصياتهنّ.
أردنا إيصال رسالة واضحة: ليس كل ما يُعرض على وسائل التواصل الاجتماعي صحيحاً، ولا كل ما نراه يعكس الواقع، ولا جميع الناس متشابهين في تصرّفاتهم أو أشكالهم.
مع مرور الوقت، كبرت المنصّة وتطوّرت الأفكار، وبدأنا نطرح سؤالاً أساسياً: كيف يمكن تحويل هذه الرسائل إلى تجربة حيّة وملموسة؟ وكانت الإجابة: المسرح.
منذ ذلك الحين، أصبحنا نقدّم عرضًا جديدًا كل عام. لكن قبل التفكير بالأزياء أو الموسيقى أو الشكل العام، نبدأ بسؤال جوهري: ما هو الإحساس الذي نريد أن نلامسه هذا العام؟ ما المشاعر التي نرغب في استحضارها، ومداواتها، وإعادتها إلى السطح؟ هذا السؤال هو نقطة الانطلاق لكل شيء.
في Elf Town هذا العام، قرّرنا التركيز على مفهوم الطفل الداخلي، ذلك الطفل الذي يعيش في داخل كل واحد منّا، وعلى شعور الحنين الذي نسيه كثيرون مع تقدّم العمر وتزايد المسؤوليات.
جميع المشاهد التي يشاهدها الجمهور، وكل لوحة استعراضية، وكل زيّ، وكل أغنية، كُتبت ولُحّنت وصُمّمت بالكامل من قبل فريق They’re Female. كل رقصة، وكل مشهد بصري، وكل تفصيل تقني من إضاءة وصوت، هو ثمرة عمل شباب وشابات لبنانيين، من الألف إلى الياء، مع الاستعانة المحدودة بفنانين أجانب عند الحاجة، فيما يبقى الإنتاج لبنانيًا مئة في المئة.
أما آلية العمل لدينا، فتبدأ بالفكرة الرئيسية المنبثقة من الإحساس المختار. بعدها نرسم خريطة المكان كاملة، بما فيها المسرح والقرية، ونحدّد العناصر الأساسية التي تعبّر عن القصة.
على سبيل المثال، اعتمدنا هذا العام رموزاً رئيسية مثل الساعة التي تعبّر عن الوقت، والشمعة التي تحمل دلالات إنسانية عميقة. كما ندمج عناصر مثل الهدايا وعصيّ الحلوى، التي قد يظنّها البعض مجرّد زينة، لكنها في النص المسرحي تحمل معاني تربوية ورسائل وجدانية واضحة.
نحن نؤمن بأن دورنا لا يقتصر على الترفيه فقط، بل يشمل التوعية والتعليم. لذلك، تحمل نصوصنا رسائل عميقة ومبطّنة تمرّ في كل سيناريو وكل حبكة درامية.
قد يرى الأطفال ألوانًا جميلة وأشكالًا ممتعة فيفرحون، لكننا نفكّر أيضاً بالأهل، وبالأجداد، وبكل شخص بالغ يجلس إلى جانب الطفل. فـ Elf Town ليس مخصّصًا للأطفال فقط، بل لكل طفل يسكن داخل قلب كل إنسان، مهما بلغ عمره.
نحن لا نريد من الزائر أن يأتي فقط لمشاهدة عرض ميلادي. هذا ليس هدفنا. نحن نطرق باب المشاعر، ونلامس اللاوعي، ونرغب بأن يغادر كل شخص المكان وهو أكثر تصالحًا مع ذاته، وأكثر وعيًا لقيمته وقدرته على التأثير في مجتمعه، وأهمية وجوده في هذه الحياة.
كثيرون يعتقدون أنهم سيحضرون مجرّد فعالية ميلادية، لكننا لسنا حدثاً تقليدياً، بل عالمًا متكاملًا. وسيرى الجمهور أعمالنا ليس فقط في فترة الأعياد، بل خلال أشهر أخرى من السنة أيضاً، مع مشاريع كبيرة تُنفَّذ للمرة الأولى في تاريخ لبنان.
هذا العام، أدخلنا للمرة الأولى عرضاً موسيقياً (Musical)، وهو مزيج من مسرح برودواي، وفنون السيرك، والتمثيل، وأكثر من ذلك. سيكون عرضًا بصرياً وسمعياً متكاملاً يدهش الجمهور، وهذا هو هدفنا الأساسي.
ورغم كل ذلك، نحرص على عدم نسيان المعنى الحقيقي للعيد، وهو جوهر رسالتنا. لذلك نحن فخورون بما نقدّمه.
وفي الختام، أتوجّه بالشكر إلى كامل الفريق الذي يعمل منذ أكثر من عشرة أشهر على التحضير لهذا الحدث، مع تركيز دقيق على أدقّ التفاصيل، من لحظة دخول الزائر إلى المكان حتى مغادرته.
نستقبل الجميع من اللبنانيين والمغتربين، ونقول لهم: مرحباً بكم في وطنكم. فـ Elf Town ليست مجرّد مدينة، بل بيت لكل من يبحث عن الأمل، ويريد أن يستعيده لنفسه، وينقله إلى من حوله.

