الهديل

خاص الهديل:لماذا قال بايدن للإيرانيين “لا تفعلوا”.. ولماذا هدد غالانت بيروت بمثل تدمير غزة؟؟

خاص الهديل:

يتفاوض الإسرائيليون مع يحيى السنوار حول الهدن وإطلاق الأسرى؛ وهم بذلك يلحسون كل بياناتهم اليومية التي تتحدث عن أنهم سائرون للقضاء على حماس، وهم بذلك يعترفون عملياً بأن هناك أمراً واقعاً في غزة، إسمه حماس، لن يستطيعوا حتى الآن تجاوزه، ولن يستطيعوا لاحقاً التعامل مع غزة من دون الإستماع إليه (أي إلى حماس). 

وزير خارجية الأردن كان نصح من يريد اختصار طريق المعاناة في حرب غزة، بالقول أن هدف القضاء على حماس هو أمر مستحيل، ذلك لأن حماس ببساطة هي فكرة، وليست فقط تنظيماً سياسياً وعسكرياً. 

ولكن في إسرائيل يوجد أيضاً فكرة متخيلة تتحدث عن الحل بقوة المجازر، غير أن الفرق بين هذه الفكرة الإسرائيلية وفكرة حماس الفلسطينية، تقع بالنقاط الجوهرية التالية: 

مفاد النقطة الأولى أن فكرة مقبولية حماس فلسطينياً، تأخذ شرعيتها من قيمة المقاومة لدى الشعب الفلسطيني كخيار متبق له لرفع الاحتلال عنه.. فيما الفكرة الإسرائيلية (حل المجازر) تأخذ مقبوليتها داخل المجتمع الإسرائيلي من دور المجازر في تهجير عرب فلسطين عام ١٩٤٨ ما سمح آنذاك بإنشاء “دولة إسرائيل” على أرض الفلسطينيين.. وعليه فهناك في الوعي الإسرائيلي العام قناعة بأن المجازر ليست قتلاً للقتل أو للانتقام، بل هي سلاح لتحقيق “الاستقلال” كما حدث في العام ٤٨ أو لتحصين الاستقلال كما يحدث اليوم في غزة أو لترهيب أعداء إسرائيل كما حصل في كل حروب إسرائيل السابقة. وبالمقابل يوجد في الوعي الفلسطيني وبعد التجربة قيمة إسمها المقاومة التي من دونها لن تكون لهم كرامة ولا أمل بتحقيق دولة. 

ثانياً- .. وعليه فإن ما تقوم به إسرائيل اليوم في غزة ليس حملة مجازر من أجل الإنتقام من يوم ٧ أكتوبر؛ بل هو مضمون خطة للانتصار على غزة يوجد بداخلها أهمية خاصة للمجازر بوصفها السلاح الإستراتيجي الأساسي والوحيد الذي يحقق الهدف الإسرائيلي النهائي في غزة. 

ويؤشر هذا المفهوم الإسرائيلي، إلى أمر هام جداً، وهو أن العقل العسكري والسياسي الإستراتيجي الإسرائيلي المسؤول عن صناعة قرار عمليات حرب غزة، إنما هو عقل يتغذى من ثلاث خلفيات ثقافية تشكل ذاكرته وتوجه سلوكه العسكري والسياسي والإستراتيحي: 

الخلفية الثقافية الأولى تتمثل بمكانة المجازر والقتل الجماعي داخل ثقافة البقاء في الوعي الإسرائيلي.. وهنا يجدر تسليط الضوء على أنه يوجد سرديتين لتاريخ اليهود السياسي؛ الأول هو التاريخ الإنساني السوي لليهود الذي لم تدخل عليه شوائب وتحريف ولم يتعرض لمحاولات توجيهه خدمة لأهداف وغايات معينة؛ أما الثاني فهو تاريخ اليهود كما صاغته الحركة الصهيونية بشقيها الخاص بجابوتنسيكي أو الخاص بالاشتراكية الصهيونية. وكلتا هاتين المدرستين تقومان على فكرة اقتلاع الفلسطيني وتهجيره وإحلال الإسرائيلي المستوطن مكانه. فالمدرسة الصهيونية الإشتراكية (بن غوريون) رفعت شعار أن “فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”؛ وتمت ترجمة هذا الشعار من خلال تحويل البلدات الفلسطينية إلى كيبوتسات استيطانية إسرائيلية (تعاونيات استيطانية)؛ أما مدرسة جابوتينسكي التجديدية اليمينية فطرحت الحل العسكري الإرهابي توصلاً لتصفية الوجود العربي في فلسطين.. وقصارى القول هنا أن اليمين الصهيوني والإشتراكي الصهيوني يتقاطعان على فكرة اقتلاع الفلسطيني من أرضه لتصبح أرضاً لليهود، والأسلوب الوحيد لفعل ذلك هو تهجيرهم بوسيلة المجازر والقتل الجماعي ودفعهم قصراً إما إلى خارج فلسطين وإما إلى المقابر.  

الخلفية الثقافية الثانية تتمثل باتباع ومحاكاة ما يعتبره الإسرائيليون أنجح حرب خاضتها الحركة الصهيونية في تاريخها؛ والمقصود هنا الحرب التي نتج عنها “ولادة الكيان الإسرائيلي”..

وبنظر كل جنرلات الحرب والسياسة الإسرائيليين، فإن الحرب الأنجح التي يجب أن تشكل مثالاً للاحتذاء بها، هي ما يسمى “بحرب الإستقلال عام ١٩٤٨”؛ أي الحرب التي نتج عنها إعلان “قيام الدولة الإسرائيلية” فوق أرض الفلسطينيين. 

وبنظر المؤرخين الصهاينة فإن هذه الحرب تم كسبها من خلال توفر عدة شروط أبرزها: النجاح في طرد السكان العرب من أرضهم بواسطة المجازر بحقهم. واليوم في حرب غزة تتبع إسرائيل نفس المثل، أي نهج طرد السكان العرب من أرضهم بواسطة المجازر.. وفي عام ٤٨ تم طرد الفلسطينيين إلى ما وراء الجزء الأول من مساحة الدولة؛ وحالياً يتم طرد الغزاويين إلى الجزء الشمالي الأول من مساحة التوغل داخل كل القطاع؛ وبعد ذلك ستعمل إسرائيل إلى طردهم إلى خارج كل القطاع؛ تماماً كما جرى في العام ١٩٦٧ استكمال المهمة التي بدأت عام ٤٨، بحيث جرى طرد الفلسطينيين من كل مساحة فلسطين.. 

وسواء في حربي الـ٤٨ و٦٧ كان هناك مصطلح استراتيجي يعتبره الصهاينة سر نجاحهما في هاتين الحربين، وهو “النكبة الفلسطينية”. ومعنى هذا المصطلح هو تمكن إسرائيل من إلحاق “نكبة” في المجتمع الفلسطيني؛ بمعنى أن تؤدي الحرب إلى تهجيرهم وتقطيع تواصلهم الديموغرافي، وإلحاق جراح دامية بوعيهم عن طريق جعله مثخناً بتاريخ المجازر الإسرائيلية بحقهم، وذلك بهدف خلق “فوبيا عند العربي والفلسطيني”، مفادها أن الحرب مع إسرائيل تساوي إلحاق الدمار الكامل بمن يقوم بها. 

والواقع أن جوهر خطة إسرائيل في غزة اليوم هو إلحاق “النكبة الثانية” بهم.. ويتخيل الإسرائيليون أنه بهذه الطريقة يتم “كي وعي غزة” لعقود طويلة مقبلة.  

الخلفية الثقافية الثالثة التي توجه صناع قرار حرب غزة الإسرائيليين، مفادها استعارة تكتيكات الحرب الأميركية في أفغانستان والعراق والتي تقوم في جزء منها على إظهار القدرة على “البطش بوسائل تكنولوجية متطورة”؛ أي استعمال استراتيجية “البطش التكنولوجي” لتحقيق أهداف “البطش البدائي” الذي كان عبر التاريخ القديم يعتمد على القتل الجماعي لترهيب المجتمعات وإخضاعها وإيصال رسالة إليها تفيد بأن “لا تجربوا بطشنا”. وهذا الأسلوب استعمله بايدن في خطابه السياسي ضد الإيرانيين لبنان والعراق حينما قال بحزم واختصار: “لا تفعلوا”؛ واستعمله غالانت ونتنياهو عندما خاطبا حماس وحزب الله وغيرهما بالقول: “لا تجربونا”. وعندما قال غالانت “سيصيب بيروت ما أصاب غزة من دمار”.. وبدا واضحاً هنا أن ارتكاب المجازر هو أمر لا تمليه ظروف المعركة، بل هو سلاح استراتيجي تستخدمه إسرائيل عن سابق قصد، للردع بالمعنى الترهيبي، ولتحصين حماية الاحتلال..

Exit mobile version