الهديل

خاص الهديل: الأثر السياسي والدبلوماسي لإعتراف دول أوروبية بدولة فلسطين

خاص الهديل:

السابع من اكتوبر لم يكن يوماً عادياً بالنسبة للفلسطينيين، وتمكن من كسر الصورة المثالية المرسومة لدى الجيش الاسرائيلي، التي طالما كانت تتغنى اسرائيل بنظرية “الجيش الذي لا يُقهر”. المشاهد التي تم تداولها على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي يوم 7 اكتوبر كانت لا تُصدّق، وصدمت الجميع بمدى حقيقة ما حدث، فالعملية التي شنتها حماس لم تكن تسللاً متسرباً؛ بل كان اقتحاماً واضحاً وجلياً في وضح النهار، والصادم يومها هو رؤية مقاتلي حماس يتجولون في شوارع المستوطنات التي أُنشئت قبل 75 عاما، هو بحد ذاته حدث لم يعتد عليه العالم من قبل.

هذه النقطة أوجبت وصول اسرائيل إلى نقطة حرجة، فإنه بلا شك حقق إنجازاً تاريخياً لا يُقدر بثمن، فإيجابياته تُعدّ ضخمة، بالرغم من الكلفة الفادحة والمؤلمة للغاية. نعم، كانت التضحيات كبيرة، لكن العائد الإيجابي لفلسطين ومن يتمسك بحق الشعب الفلسطيني كان عظيماً بكل المقاييس، بدايةً من فشل نتانياهو ومجموعته في تحقيق أي من أهدافهم في غزة، والدمار الهائل الذي اُلحِقَ بها، وعدم استطاعتهم تدمير حركة حماس، التي تستمر في مقاومتها الى الآن، وأيضا لم ينجحوا في تحرير أسراهم، ولا تهجير السكان الفلسطينيين من أرضهم، وصولاً الى إعلان الحدث الأبرز الذي كان يتم النقاش حوله منذ أسابيع وهو اعتراف كل من إسبانيا والنرويج وأيرلندا بدولة فلسطين والذي سيدخل حيز التنفيذ في 28 أيار/مايو الجاري، فعلى الرغم من أن بعض الأصوات وصفت الاعتراف بدولة فلسطين أنه “رمزي” و”أداة سياسية” إضافية لزيادة الضغط على إسرائيل، إلا أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عبّرت عن استياءها للغاية حتى من مجرد تبرير بعض الدول لتخلفها عن الانضمام إلى قافلة الدول المعترف بها لهذا الحق الفلسطيني، لكن ماهي النتيجة التي ستُنتج وراء هذا الأعتراف؟ لكن ما الذي يمكن أن يصب في مصلحة فلسطين على خلفية اعتراف كل من اسبانيا والنرويج وإيرلندا بها..

أولاً: الاعتراف بدولة فلسطين يمكن ألا يغير شيئاً من الناحية العملية، إلا أن هذا حدث مهم، فمن وجهة نظر القانون الدولي يعزز بشكل كبير مكانة المنظمات الوطنية الفلسطينية، وقبل كل شيء، الحكم الذاتي الوطني الفلسطيني، بحسب كبير الباحثين في مركز الدراسات العربية والإسلامية، بوريس دولغوف، فإن قرار النرويج وإيرلندا بالاعتراف بفلسطين كدولة ذات سيادة، يشكل دعما قويا لمكانة فلسطين القانونية على الساحة الدولية ويعزز من فرص نيلها العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، لاعتراف يتماشى أيضًا مع العديد من قرارات الأمم المتحدة التي أكدت على حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، ومنها قرار الجمعية العامة 181 لعام 1947 الداعي إلى إنشاء دولتين على أرض فلسطين التاريخية، وقرار مجلس الأمن 242 لعام 1967 الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب يونيو من ذات العام. 

ثانياً: اعتراف هذه الدول بفلسطين يشير إلى دعمها لفكرة حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني بتقسيم الأراضي إلى دولتين مستقلتين، دولة إسرائيل ودولة فلسطين، تعيشان جنبا إلى جنب بسلام، بالإضافة يمكن أن يكون اعتراف هذه الدول بفلسطين بمثابة تنديد لسياسات الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالتالي، يعبر عن دعمها للحل السلمي وإنهاء الاحتلال.

ثالثاً والأهم: الجانب الإسرائيلي بدأ يفقد الدعم العالمي تدريجياً وعلى رأسهم الحليف الأول (الولايات المتحدة الامريكية) بسبب حملة القصف العسكري العشوائي في غزة وارتفاع أعداد الضحايا من المدنيين، إضافةً الى ذلك خسارتهم في الحرب الإعلامية، وهذه الخسارة كانت كبيرة بالنسبة للصهاينة الذين فشلوا هذه المرة في استخدام بطاقة اللاسامية، لكن أكبر خسارة لهم كانت في الاعترافات المتتالية بدولة فلسطين المستقلة، وهذه الخسارة كانت فادحة بالنسبة للكيان الصهيوني، الذي يدرك الآن أن هذه الأرض لا يمكن أن تستوعب كيانين، ولذلك فإن عودة فلسطين إلى فلسطين ستؤدي بالضرورة إلى زوال الكيان الصهيوني.

الآن، ليس الوقت المناسب للمحاسبة على الأخطاء الماضية، لكن يجب أن نتذكر أنه حتى قبل اتفاقية أوسلو، كانت هناك دول ترفض الاعتراف بإسرائيل، ومع ذلك، بمجرد أن اعترف ياسر عرفات بها، تغيرت الأمور. واليوم، ليس من المستغرب أن تكون هذه الدول في طليعة الجهود للاعتراف بفلسطين بكامل سيادتها.

على الرغم من أن هذه الخطوة تُظهر التضامن مع القضية الفلسطينية وتؤكد على الحل الثنائي الدولين، إلا أنها قد تثير أيضا توترات دبلوماسية مع إسرائيل ودول تدعمها، وتُظهر الانقسام في المجتمع الدولي بشأن كيفية التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فهل سنرى دولاً اخرى ستلحق بركب كل من اسبانيا والنرويج وإيرلندا للإعتراف بدولة فلسطين؟ّ!

Exit mobile version