د. حمد الكواري:
الدول الكبرى تدرك حقيقة أن الدبلوماسية الثقافية أداةً أساسية في تعزيز مكانة الدول عالميًا
”لا تقاس قوة الأمة بعدد دباباتها وصواريخها، بل بقدرتها على التأثير الفكري والثقافي في العالم”
مهاتير محمد
لطالما كانت الدبلوماسية الثقافية أو ما يُعرف بـالدبلوماسية الناعمة أداةً أساسية في تعزيز مكانة الدول عالميًا، فهي السلاح الرديف للدبلوماسية التقليدية، وتكلفتها أقل بكثير من الإنفاق العسكري، لكنها تُحقق نتائج تفوق الحروب في كسب العقول والقلوب. الدول الكبرى تدرك هذه الحقيقة، فتستخدم الفنون، والتعليم، والمساعدات،حين والإعلام لتشكيل صورتها عالميًا.
الولايات المتحدة مثال بارز، حيث تلعب الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) دورًا محوريًا في هذا المجال، من خلال دعم منظمات المجتمع المدني والأفراد في مختلف دول العالم. تقدم USAID مساعدات تنموية، وتدعم المشاريع الصحية والتعليمية، وتعزز قدرات المجتمعات المحلية، مما يرسّخ صورة أمريكا كدولة تدعم التنمية والاستقرار. بفضل هذه الجهود، استطاعت واشنطن بناء علاقات إيجابية في مناطق عديدة، رغم الأخطاء السياسية والقرارات المثيرة للجدل التي تتخذها إداراتها المختلفة، والتشكيك في دوافعها السياسية.
لكن اليوم، تشهد هذه الدبلوماسية الناعمة ضربة قاصمة نتيجة قرارات إدارة ترمب-ماسك، التي تسعى إلى تصفية USAID، ما يعني قطع الدعم عن الملايين من المستفيدين حول العالم. هذه الخطوة ليست مجرد تراجع مالي بسيط — فالوكالة لا تستهلك أكثر من ١٪ من الميزانية الفيدرالية — بل هي إضعاف لواحد من أهم مصادر النفوذ الأمريكي عالميًا.
في عالم يشهد تحديات متزايدة، فإن تقويض الدبلوماسية الناعمة يُفقد الولايات المتحدة أهم أدواتها في بناء علاقات إيجابية، ويترك فراغًا قد تملؤه دول أخرى بطرق أكثر فعالية. ترى من بملأ هذا الفراغ؟
إنها ضربة ذاتية تهدد ما تبقى من دبلوماسية أمريكا الثقافية ويفقدها تأثير دبلوماسيتها الناعمة.