خاص الهديل
بقلم: ناصر شرارة
تشبه المرحلة الراهنة ذات المرحلة التي اتبعتها إسرائيل قبيل توسيع حربها ضد لبنان في أيلول العام الماضي؛ والمقصود هنا مرحلة الأشهر الأخيرة قبيل تنفيذ عملية البيجر واغتيالات القادة وفتح حرب شاملة وليس جزئية. في تلك المرحلة كما تبين لاحقاً ظهر أن إسرائيل لم تكن تدير مهمة عدم توسعة الحرب مع لبنان بل كانت تمهد لتوسعة الحرب وجعلها مفتوحة؛ وبخلال تلك المرحلة جرت عمليات اغتيال القادة الميدانيين في حزب الله والشيخ صالح العاروري توصلاً لعملية البيجر ثم اغتيال السيد نصر
حسن نصر الله ومعظم قادة الصف الأول وفتح الحرب المسماة بسهام الشمال التي توقفت بإبرام اتفاق وقف النار.
واضح حالياً أن إسرائيل توجد الآن في مرحلة التمهيد لاستئناف الحرب على لبنان؛ فهي تقف داخل مرحلة تشبه الأشهر التي سبقت في العام الماضي ذهابها لتوسعة الحرب واغتيال نصر الله ورفاقه وبدء حرب برية وجوية شاملة..
آنذاك مهدت إسرائيل لبدء هذه الحرب الواسعة بحرب اغتيالات استهدفت بداية القادة الوسطيين والميدانيين؛ وضرب مراكز تخزين أسلحة بحجة أنها ترد على ضربات ينفذها الحزب أو حماس. ولم يعد في الواقع هناك حاجة لذكر وقائع تلك المرحلة، بل ما يهم هنا هو الإشارة إلى أن إسرائيل في ربيع وصيف العام الماضي اتبعت خطوات التدرج في الوصول إلى نقطة فتح الحرب الشاملة على لبنان؛ وهي حالياً وتحديداً منذ وصول ترامب للبيت الأبيض تتبع نفس الأسلوب؛ وهو استراتيجية التدرج العسكري في العودة للحرب الشاملة على لبنان.
وثمة مقارنات بين هاتين المرحلتين يتوجب عقدها في هذه اللحظة:
المقارنة الأولى: إسرائيل اتبعت خلال العام الماضي استراتيجية التدرج بتصفية قادة حزب الله من المراتب الأدنى وذلك صعوداً للوصول إلى المراتب الأعلى؛ أي بدأت باغتيال مسؤولي السرايا في الميدان وصولاً إلى قيامها في المرحلة الأخيرة باغتيال أمين عام الحزب ونائبه.
.. وتبين لاحقاً وبعد فوات الأوان أن إسرائيل لو أقدمت على اغتيال نصر الله قبل أن تكون قد قامت باغتيال نسبة عالية من قادة الحزب العسكريين المسؤولين عن قيادة الميدان والقطاعات المسلحة؛ وقبل عملية البيجر وقبل ضرب نسبة عالية من مخزون الحزب الصاروخي البالستي؛ لكان يتوقع حينها أن ينفذ حزب الله رداً على اغتيال السيد نصر الله رداً مدمراً ضد إسرائيل؛ ولكن الخطة الإسرائيلية تقصدت أن يكون اغتيال السيد نصر الله آخر هدف في استراتيجية تدمير قوة الحزب؛ بحيث أن اغتياله يأتي في توقيت يصبح فيه الحزب من دون قدرات رد عسكرية.
حالياً يجب التنبه إلى أن الأمر نفسه يحدث في هذه المرحلة؛ حيث عادت إسرائيل لحملة اغتيالات ممنهجة بين المراتب العسكرية الوسطية في الحزب؛ وهناك معلومات تقول أن عدد الشهداء بين هذا النوع من المراتب العسكرية الوسطية وصل إلى أربعين أو خمسين مسؤولاً.. ومقارنة بوقائع ما قامت به إسرائيل العام الماضي فيمكن التكهن بشيء من الثقة بأن الاغتيالات للجسم الميداني الوسطي إنما هدفه التدرج للوصول إلى الجسم السياسي والعسكري الأعلى؛ وفتح حرب شاملة على لبنان هدفها فرض واقع سياسي وأمني وعسكري جديد على لبنان..
خلاصة القول هنا أنه على لبنان أن يستعد لحرب إسرائيلية هدفها جعل موازين القوى هي المتحكمة بكيفية تنفيذ القرار ١٧٠١، ويبقى من المهم الحذر هنا من الرهان على موقف ترامب لثني نتنياهو عن قيام بحربه الجديدة على لبنان؛ فأكثر ما يمكن توقعه من ترامب هو أنه سيقول لنتنياهو: أنجز المهمة بسرعة!!.
المقاربة الثانية: الآن فقط صار يمكن التنبه إلى أن إسرائيل خلال شتاء وربيع وبدايات صيف العام الماضي لم يكن هدفها كما ظن الكثيرون إبقاء حربها في لبنان داخل نطاق عدم انزلاقها لحرب شاملة؛ بل كانت تتبع استراتيجية عسكرية تمهد لنقل حربها في توقيت يناسبها من معركة محدودة إلى حرب شاملة كما حدث ابتداء من أيلول الماضي لغاية إبرام وقف النار الهش.
واليوم يبدو واضحاً أن إسرائيل استغلت عملية إطلاق صلية الكاتيوشا الأولى لتبرر توجه جديد لديها بخصوص لبنان وهو التمهيد للعودة إلى الحرب على لبنان وذلك عن طريق خطوات تصعيدية تدريجية كما حصل العام الماضي، أي القيام بعمليات اغتيال متتالية في كل مناطق لبنان لتفريغ قدرات الحزب قبل فتح الحرب الشاملة الثانية عليه؛ ومن ثم ستزيد إسرائيل من توغلاتها البرية المحسوبة بين الفينة والأخرى.
ونقطة الذروة المنتظرة في هذا التصعيد المتدرج ضد لبنان هو أمران إثنان: الأول- أن يجتمع كابينت الحرب الإسرائيلي ويعلن أنه قرر إضافة هدف جديد لأهداف الحرب وهو تنفيذ إسرائيل القرار ١٧٠١ في جنوب الليطاني وشماله. والأمر الثاني إعلان إسرائيل إضافة هدف آخر لأهداف الحرب وهو فكفكة حماس في لبنان.
بمعنى آخر يصبح لإسرائيل ثلاثة أهداف رسمية للحرب: ١- تنفيذ القرار ١٧٠١ في كل لبنان؛ ٢- فكفكة حماس في كل لبنان؛ ٣- تأمين ترتيبات أمنية وسياسبة على الجانب اللبناني تؤمن عودة مستوطني الحدود الشمالية مع لبنان.
والواقع أنه ضمن سياق السعي الإسرائيلي لتحقيق هدفها بالعودة للحرب على لبنان يمكن فهم جملة من التصرفات الإسرائيلية الأخيرة:
أولاً- الاستمرار بالتشكيك بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ القرار ١٧٠١ في جنوب الليطاني فضلاً عن شماله.
ثانياً- رفع معادلة المطلة مقابل بيروت التي تعني أن تل أبيب تخلت عملياً عن اتفاقها مع لبنان بنفس الطريقة التي تتخلى بها الآن عن اتفاق وقف النار مع غزة؛ وأن إسرائيل ستمارس بنفسها تطبيق تجريد حزب الله من سلاحه وأيضاً فكفكة حماس في لبنان.
وبناء على كل ما تقدم، بات واضحاً أن إسرائيل ذاهبة للمزيد من الادعاء بأن الدولة اللبنانية لم تنجح بتطبيق القرار ١٧٠١، وأن إسرائيل لن توقف الحرب على لبنان قبل إتمام عملية نزع سلاح حزب الله والفصائل الفلسطينية في كل لبنان.
ومرة أخرى ليس صدفة أن إسرائيل تقوم فجر اليوم بتنفيذ عملية اغتيال في ضاحية بيروت الجنوبية وتقول أن الهدف هذه المرة هو عضو من حماس يدرب فلسطينيين على تنفيذ عمليات ضد إسرائيل؛ في حين أن الاعتداء السابق على الضاحية كان بحسب أدرعي ضد مبنى فيه مسيرات لحزب الله.
وتريد إسرائيل القول عبر هذه الاعتداءات أن مندرجات ال١٧٠١ في شمال الليطاني الذي يشتمل على سلاح فلسطيني وسلاح لحزب الله هو عنوان الحرب القادمة التي تتدرج إسرائيل بتسخينها تماماً كما تدرجت بتصعيد خطواتها خلال جولة الصيف الماضي من الحرب التي لم تنته بعد.